عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

44

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

ثم إنه يفنى عن الكلّ برؤية موجد الكلّ ، ولا يصح هذا إلا لمن كان الحق تعالى سمعه وبصره إذ لا يشهد الكلّ إلا الكلّ . وهذا كلام لا يفهمه إلا أربابه الذين وصلوا إليه بالذوق ، وحرام الخوض فيه مع المتثبّطين في عالم الأجسام المظلمة المانعة من اللحوق بعالم النور : [ من الطويل ] إذا كنت كرسيّا وعرشا وجنّة * ونارا وأفلاكا تدور وأملاكا وكنت من السرّ المصون سريرة * وأدركت هذا بالحقيقة إدراكا فكم ذا التأنّي في الحضيض تثبّطا * إلى كم مع الأسرى أما حان إسراكا [ الجمال الجزئي ] فصل : وأما الجمال الجزئي فهو نور علويّ يسنح للنفس الإنسانية عند إدراك الصورة الجميلة الحاصلة في لوح الخيال المنتقش بقلم الحس البصري تتهيّج به فتستعدّ بذلك الابتهاج لقبول إشراق نور آخر أشدّ روحانية منه من عالم الأنوار المقدّسة ، إذ النور يستدعي النور فينجذب إليه للمناسبة بينهما . فذلك الابتهاج هو المعبّر عنه بالمحبّة التي تفضي بالنفس إلى العشق وإلا فليس في قوى الأجسام ما يؤثّر في النفس الإنسانية ذلك التأثير ، إذ لا يفعل الكثيف في اللطيف . [ الجمال الظاهر ] وهذا الجمال من حيث الجملة ينقسم إلى ظاهر وباطن . فالظاهر منه ما يتعلق بالأجسام فلا يدرك إلا معها ، والباطن ما لا علاقة له معها ، وهو الجمال العقلي المجرد . والجمال الظاهر وإن كان له تعلّق بظاهر الجسم فهو منزّه عن الحلول فيه ، وإنما معناه تجلّي نفس إنسانية وإشراقها على بدنها بأنوار الجمال ولا يدرك مجرّدا بالحواسّ وإنما يدرك بنور العقل لدقّة معناه ولطافته ، فإن العقل نور والجمال نور ، فلا يدرك النور إلا بالنور ، والحواسّ إنما هي قوى النفس الحيوانية وهي جسمانية فلا تدرك شيئا إلا مع أشكال الجسم وأوضاعه ، وعلى تلك الهيئة ينقش المرئيّ في لوح الخيال ، فصحّ أن الذي يدركه البصر مظهر الجمال لا ذاته ، لكنّ البصر إذا ودّى ما أدركه إلى الخيال أدركت النفس الجمال

--> - يا سرّ سرّ يدقّ حتّى * يخفى على وهم كلّ حيّ وظاهرا باطنا تجلّى * لكلّ شيء بكلّ شيّ إن اعتذاري إليك جهل * وعظم شكّ وفرط عيّ